التخطي إلى المحتوى
كيف نفهم العمارة الإسلامية اليوم

ليون رودريغيز زهر خلال ندوة في “بيت أميركا” بمدريد، 2013

يتعامل كتابُ “الفنّ الإسلامي، استحضار الجنّة: العقيدة واللغة والموضوعات المُصوَّرة” مع الأسئلة الأساسية غير المُجاب عنها في الغالب مع تطوُّر ما نسميه الآن “الفنّ الإسلامي”، وبشكل أساسي في العمارة. وتتجاوز أهمّيته وقيمته الكتب المصوَّرة الباذخة على طاولات القهوة والمسوحات الفنّية الأثرية حول الموضوع.

كَتبَ هذا التحليلَ الرائد والنابع من أميركا اللاتينية عالمٌ في دراسات الشرق الأوسط والفنّ الإسلامي في المكسيك باللغة الإسبانية، وقد كرَّس حياته لهذا المجال المحظور تقريباً، والذي ظلّ شبه مُقتصرٍ على المؤلّفين الأوروبيّين والأنكلو- أميركيّين. هذا الكتاب تحقيق أكاديمي وميداني شامل أنجزه ليون رودريغيز زهر، الذي درس وعاش في الشرق الأوسط، بما في ذلك فلسطين في أثناء عمله دبلوماسياً، ومارس العمارة الإسلامية كفنّان تشكيلي.

تُؤسّس وجهة نظر المؤلّف لمنظور نقدي للمقاربات الدارجة في المجال، ونظراً لإمكانية الكاتب في الوصول إلى دراسات باللغة الإنكليزية والإيطالية والفرنسية والإسبانية والروسية والتركية والعربية، بشكل مباشر أو غير مباشر (من خلال الترجمات)، فإنّ عمله يُثري النقاش ويساعدنا على فهم كيفية مقاربة دراسة العمارة الإسلامية اليوم.

يُعارض اعتبار العصر الوسيط فترة مظلمة في مجال العمارة

يبدأ الكتاب، الصادرة طبعته الأولى عن “مركز الدراسات الآسيوية والأفريقية” في “كلّية المكسيك” عام 2008، بمناقشة المصطلحات المختلفة التي استخدمها “المستشرقون” الغربيّون، بمن فيهم الإسبان، لوصف تلك الآثار التي أخذت تظهر “بأعجوبة” في القرن السابع، مع البناء البديع لقبّة الصخرة. ويربط بين هذه التسميات ووجهات النظر الأيديولوجية/ السياسية التي كانت تتطوّر وقتها، وأمثلة هذه التسميات: “الفنّ العربي” و”الفنّ المُحمّديّ”!، و”الفنّ الموري”، و”فنّ الساراسين”، و”الفنّ المُسلِم”، ولا ننسى التسميات القومية من قَبيل: “الفنّ التركي”، و”الفنّ الإيراني”، و”الفنّ الإسباني- العربي”، ووصولاً إلى المصطلح المحايد “الفنّ الإسلامي” الذي اتُّفق عليه أساساً في الستينيات والسبعينيات، وتعترف هذه التسمية بفنّ حضارةٍ شديدة التعقيد، واعترف بها الغرب أخيراً على هذا النحو، حيث دُمجت معها مساهمات الحضارات السابقة الأُخرى.

ناقش الكاتب أفكار علماء فرنسيّين وألمان وإسبان وعرب وأتراك وإنكليز، إلّا أنّه ركّز مراجعته وتحقيقه على عالميْن اثنيْن: البروفيسور أوليغ غرابار والكاتب تيتوس بوخاردت (مات مسلماً تحت اسم إبراهيم بوخاردت في عام 1984). قدّم غرابار، الذي كان معلّماً لرودريغيز زهر، النقد التاريخي المطبَّق على المقاربة المعيارية، الأثرية والوصفية في الغالب، للفنّ والعمارة الإسلامية (نوع الدراسة الكريسويلية؛ وهو اسمٌ يُطلَق على علم دراسة الآثار في العصر الحجري البريطاني القديم العلوي). كان غرابار، على الأكيد، رائداً في البحث عن “المعاني” و”الرموز” لمثل هذا النوع من المعمار، بينما حافظ بوخاردت على أطروحة الإلهام الصوفي المسلم البحت لهذا الفن.
 
يتناول رودريغيز زهر في كتابه موضوعات غير مطروقة، حيث يناقش في المقدّمة الإطار اللاهوتي الكلاسيكي الأساسي لليهودية والمسيحية والإسلام، والذي ينطبق على الفنون لإنشاء الخطوط العريضة لـ”عقيدة” إسلامية محدّدة، مع مبادئ توجيهية لإنتاج فنونها الخاصّة، ضمن معايير يمكن التعرّف عليها، كما أنّه يقترح تعريفه العملي الخاص لماهية “الحضارة” بناءً على كتابات ابن خلدون.

يناقش الكاتب بعدها لغة الكتابة بالأشكال (الكتابة التصويرية) المعتَمدة على نطاق واسع في “التعبير الفنّي الإسلامي”: تصميمات الأرابيسك والخطوط العربية السائدة، وأيضاً المستخدمة في القباب والأقواس والمخطَّطات الأرضية المطبَّقة على الآثار المعمارية الضخمة، وذلك لتعقُّب أصولها الرومانية البيزنطية والفارسية، والتي صارت مشبعة بمعانٍ جديدة حسب الممارسات والاحتياجات الإسلامية. 

ويقترح الكاتب هنا ضرورة وضع حدود زمنية ومكانية لما يمكن أن نسمّيه ونصنّفه أنه العمارة الإسلامية ولآثارها، ويجادل في تحليله، المُحدّد بين القرنين السابع والسابع عشر، وفي المنطقة من الأندلس إلى الهند ومن الأناضول إلى شمال أفريقيا، بأنّه يقدّم تفسيره من خلال حقيقة التوافق الجغرافي مع التراث الحضاري الروماني البيزنطي والفارسي.

يؤسّس لمنظور نقدي للمقاربات الدارجة حول الفنّ الإسلامي

ومن وجهة نظره، فَقَدَ الفن الإسلامي، في تسلسل زمني بعد القرن السابع عشر، “نقاءه”، وصارَ متأثّراً بالأساليب الأوروبية بشدّة، ومعظمها من الباروك، ما أفسح المجال للأسلوب “الإسلامي الباروكي” المنحطّ إلى حدٍ ما. كما يحذّر من وجود ثلاث مناطق حدودية انتقالية واضحة: الفنّ المدجَّن الإسباني، في الأندلس الإسلامية، حيث يوجد اندماج مبكّر مع الفن المسيحي (القرنان الثالث عشر والسابع عشر تقريياً)، والفنّ الهندي الإسلامي، حيث توجد تأثيرات قوية واضحة من الفن الهندوسي، وأخيراً الفن التركي البيزنطي، والذي تَحدّد بشكل كبير بفتح القسطنطينية، بينما تأثّر الفنّ السلجوقي السابق تأثّراً واسعاً بالتعبيرات الأرمنية الجورجية.

ويوضّح رودريغيز زهر، بعيداً عن أوروبا، أنّ بناء أو مجرّد تكييف الهياكل الصينية، أو الجنوبَي شرق آسيوية أو جنوبَي الصحراء الأفريقية، مع الاحتياجات الإسلامية، لا يمكن أن يجعلها تندرج في فئة “الفنّ الإسلامي”؛ لأنّ الفنّ الإسلامي، كما يُدعي، يتجاوز نطاق الدين. ولا يمكن وصف المباني الجديدة للمساجد والقصور الضخمة والفخمة مع الانتقال إلى العصر الحديث، والتي صمّمها المعماريون الغربيون في كثير من الأحيان، بأنّها “فن إسلامي”، حتى لو كانت تشبه الآثار الإسلامية الكلاسيكية بشكل كبير. ستُصنَّف على أيّ حال أنّها فنون إسلامية حديثة، وهو ما يعادل الأساليب القوطية الجديدة والعربية الجديدة، التي أُوجدت في الدول الغربية خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين مع العديد من الأمثلة في أوروبا، وخاصّةً في إسبانيا وفي الولايات المتّحدة الأميركية وفي أميركا اللاتينية.

أورد المؤلّف، في الجزء الثاني من الكتاب، ثلاثة أمثلة على “موضوعات أيقونية” إسلامية مشتقّة من القرآن الكريم، ويبتعد في هذه المرحلة عن غرابار الذي حاجّ في الغالب لصالح الإلهام الأيقوني اليهودي وما قبل الإسلامي، حيث يرى رودريغيز زهر بوجود موضوع أيقوني قرآني لـ”انتصار الإسلام” كما ينعكس في الأمثلة التي ساقها المؤلّف، من قبّة الصخرة إلى مساجد دمشق، وإسطنبول، وقرطبة، ودلهي. توجد “تصويرات قرآنية سماوية” مستمدَّة في الغالب من الأوصاف الموجودة في معراج النبّي، كما تنعكس في كثرة التصاميم البديعة المقرنصات المعلّقة أو أخفاف قرص العسل، مثل تلك الموجودة في “قصر الحمراء”، أو دمشق، أو بغداد، أو إيران. وتوجد أيضاً من وجهة نظر رودريغيز تصويرات للجنّة في الفنّ الإسلامي، والتي اعترف بها المؤرّخون بالفعل، وانعكست في تصميم الحدائق الكبيرة للقصور والأضرحة ونوافيرها، من “قصر الحمراء” إلى الرسوم الفسيفسائية الباقية في الجامع الأموي بدمشق وفي أضرحة وحدائق أصفهان والهند المغولية. 

يقترح وضع حدود زمنية ومكانية للعمارة الإسلامية ولآثارها

يُحلّل المؤلّف تصميم المقرنصات كأحد الحلول المعمارية الأكثر أصالة وجمالاً في تاريخ العمارة العالمية بأكمله، ناهيك عن تطبيق تصميمات خطّية كاليغرافية متعدّدة وغير مسبوقة على الآثار، من النقوش الشعرية في “قصر الحمراء” إلى تلك الأثرية في أوزبكستان وإيران. تُعتبر المقرنصات، كعنصر شبه معماري، وبوصفها نقوشاً زخرفية عربية، علامات واضحة على العمارة الإسلامية الكلاسيكية.

ويختتم الكتاب بتقييم قويّ يتعارض مع النظرة التقليدية إلى “العصور الوسطى” كعصر مظلم في مجال العمارة، إذ يأتي بعض من أروع الآثار في العمارة العالمية من هذه “الحقبة” في كلّ من أوروبا المسيحية والعالم الإسلامي. لكنه، يرفض في الغالب الفرضية المعياريّة لكيفية تطبيق الرياضيات المتقدّمة على هذه الآثار، كما يُزعم. ويوضّح أن “علماء الرياضيات العبقريّين” المعروفين في تلك الأوقات كانوا معزولين تماماً في اكتشافاتهم النظرية وكتبهم، بينما كان يتطوّر المعمار والتصميمات الزخرفية، حرفياً، على الأرض، على يد حرفيّين متواضعين وأمّيّين في الغالب، لحل المشاكل العملية الحقيقية في مبانيهم برسومات هندسية عفوية وبتقنيات مبتكرة يمكننا إرجاعها إلى السجاجيد البدوية، وحتى إلى مصر القديمة.

وينطبق نفس النقد على أطروحة بوخاردت القائلة بأنّ تصميم هذه المباني الرائعة كان بالكامل بتوجيه من أولياء الصوفيّين، الذين، مرّةً أُخرى، حتى لو كانوا حقّاً على اتصال بنقابات الحرفيّين، لظلّوا بمعزل تماماً في تصوّفهم وتعاليمهم، بعيداً عن المشاكل العملية للعمارة والتصميم. 

يطرح هذا الكتاب، بحواشيه ومراجعه الواسعة والمتنوّعة، والتي تشير إلى دراسات في هذا المجال تطوّرت في الغالب في العالم الغربي، أطروحات جديدة ومثيرة تجدر مناقشتها في مجال العمارة الإسلامية اليوم.

بطاقة
León Rodríguez Zahar كاتب وباحث ومؤرخ ودبلوماسي مكسيكي من أصل لبناني، من مواليد مدينة المكسيك عام 1962. من بين إصداراته: “لبنان، مرآة الشرق الأوسط: المجتمع والطائفة والدولة” (2004)، و”الثورة الإسلامية في إيران” (2011)، وفي تاريخ الفن الإسلامي: “العمارة المُتخيَّلة: الأزرق في القصر الأزرق” (1999)، و”الترصيع الإسلامي والتدجين” (2000)، وروايتان: “الإلهة الثالثة” (2000)، و”ذكريات آخر خلفاء بغداد” (2017). عُرف رودريغيز زهر أيضاً بتصميمه الفنّي لنموذج مصغَّر لقصر إسلامي مثالي من العصر التيموري بعنوان “القصر الأزرق”، والذي عُرض في متاحف بالقاهرة والمكسيك وإسبانيا، وتُمكن مشاهدته في كتاب بالعنوان نفسه، وفي الفيديو على الموقع الإلكتروني leonrodriguezzahar.com

* رفائيل لوبيز غوزمان باحث وأكاديمي إسباني، أستاذ تاريخ الفن في “جامعة غرناطة”. ترجمة عن الإنكليزية: أنس أبو سمحان

Source link

كما تَجْدَرُ الأشاراة بأن الخبر الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على المصدر اعلاه وقد قام فريق التحرير في كورة لايف الجديد بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر من مصدره الاساسي.

التعليقات