التخطي إلى المحتوى
مالك بن نبي: أفكار تبدأ بالثقافة وتنتهي إليها

كان المفكّر الجزائري مالك بن نبي (1905 – 1973)، الذي مرّت الذكرى التاسعة والأربعون لرحيله في الواحد والثلاثين من تشرين الأوّل/ أكتوبر الماضي، أحدَ أبرز مُنظّري الثقافة في الجزائر، وهو ما تعكسه مؤلّفاته الكثيرة التي تشترك في مسألة الثقافة، بتجلّياتها السياسية والفكرية والتربوية، ومِن بينها كتابُه “مشكلة الثقافة” (1959).

“مالك بن نبي ومسألة الثقافة” عنوان منتدىً نظّمته، أمس الخميس، “الوكالة الجزائرية للإشعاع الثقافي”، بالتعاوُن مع “المكتبة الوطنية الجزائرية” و”الديوان الوطني للثقافة والإعلام” في “قصر الثقافة مفدي زكريا” بالجزائر العاصمة، وتضمّن عدداً من المحاضرات التي قدّمها أكاديميّون وباحثون جزائريّين وتناولت مسألة الثقافة في أعماله، إلى جانب معرضٍ للصور وآخر للكتب، وعرض فيلم وثائقي قصير حول مسيرته.

الإنسان كائنٌ ثقافي؟

بدأت محاضرات المنتدى بمحاضرة حملت عنوان “هاجس الثقافة عند مالك بن نبي: هل الإنسان كائن ثقافي قبل كلّ شيء؟”، قدّمها مولود عويمر؛ وهو باحثٌ وأكاديمي حاصل على دكتوراه في التاريخ المُعاصر من “جامعة باريس”، ويعمل حالياً أستاذاً في كلّية العلوم الإنسانية بـ”جامعة الجزائر”. أصدر عويمر قرابة عشرين كتاباً؛ من بينها: “مالك بن نبي رجل الحضارة”، و”الفكر الإصلاحي المُعاصر وقضايا التنوير”، و”مقاربات في الاستشراق والاستغراب”، و”التاريخ والمؤرّخون المعاصرون”.

أشار عويمر إلى أنّ الثقافة كانت حاضرةً دائماً في أعمال المفكّر الجزائري الراحل، سواء في مؤلّفاته الأُولى مثل “شروط النهضة” و”مشكلة الثقافة”، أو في أعماله الأخيرة مثل “إنتاج المستشرقين” و”مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي”، مُعتبراً أنّ هذا الإصرار على استحضار الثقافة في المراحل المختلفة من مساره العلمي، لدراسة دَور الإنسان في التحوّلات الاجتماعية وتحليل تفاعُله مع حركة التاريخ وتحديد إسهامه في التراكم الحضاري، دلالةٌ واضحة على مكانتها المركزية في مشروعه الفكري.

وطرحَت المُحاضَرة مجموعة من الأسئلة، مثل: هل كانت الثقافة البُعد الغائب في الدراسات الإنسانية التي أنجزها العلماء السابقون من أمثال أرسطو وابن خلدون، وبالتالي يتطلّب التفكير السليم الاهتمام بها باعتبارها المحدّد الأساس في تفسير حركة التاريخ وتحليل الواقع العربي الإسلامي؟ وهل قام بن نبي بقلب النظريات السابقة، فاعتبر الإنسان، قبل كلّ شيء، كائناً ثقافياً وليس كائناً سياسياً كما قال أرسطو، أو كائناً اجتماعياً كما قال ابن خلدون؟ وما أبرز ملامح نظرية بن نبي في الثقافة؟ وهل يكفي التحليل الثقافي وحده لتفسير الصيرورة التاريخية وفهم واقعنا المُعاصر؟

الحضارة والثقافة

تحت عنوان “البُعد الحضاري لمفهوم الثقافة حسب مالك بن نبي”، قدّمت يمينة شيكو، أستاذةُ الفلسفة في “المدرسة العليا للأساتذة” ببوزرّيعة في الجزائر العاصمة، محاضَرةً تناولت فيها نظرة بن نبي إلى الثقافة في أبعادها الحضارية؛ حيث ذهبت إلى أنّ الشغل الشاغل لفكر بن نبي كان مشكلةَ تحضُّر العالم الإسلامي التي كانت، في نظره، قضيّةً وطيدة الصلة بمسألة الثقافة، باعتبار أنّ الأخيرة تُشكّل القاعدة التي تُبنى عليها الحضارة.

أشارت شيكو إلى أنّ بن نبي نظر إلى الثقافة نظرة وظيفية لا تقتصر على الجانب النظري الذي يروم التوصُّل إلى مفهوم فلسفي تجريدي بحتٍ بعيدٍ عن الواقع؛ إذ ربطها بنظرة عملية فعّالة، بحيث تكون الثقافة محدَّدة بما تُحرّكه من قوى الفرد في المجتمع، وكان الهدف من اهتمامه بمشكلة الثقافة، البحث عن مخارج لحالة التخلّف التي تعيشها المجتمعات الإسلامية.

وأوضحت أنّ بن نبي خلص، من خلال دراسة تحليلية نقدية، إلى نتيجة مفادها أنّ مجتمعاتنا، على الرغم من رصيدها الثقافي الثري، تفتقر إلى الفعالية وعنصر الإبداع وكيفية استغلال ثقافتها وتطويرها.

مشكلة الثقافة

“مالك بن نبي بين التأثُّر والتأثير ثقافياً” هو عنوان محاضَرةِ لَخْضر ميلود شريط، وهو أستاذ فلسفة اللغة والحضارة في “جامعة الجزائر2” وأستاذٌ زائر في “المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية” بباريس، ومدير “مخبر مشكلات الحضارة والتاريخ” في الجزائر، من مؤلّفاته: “في الحركة التاريخية وتفسير التطوُّر الحضاري عند مالك بن نبي”، و”أُسسٌ في الحضارة”، و”مدخل لخلفيات العلم في الحضارة الإسلامية”، و”مالك بن نبي الإشعاع الحضاري على العالم الإسلامي”، و”ومضات من فكر بن نبي على مشكلات معاصرة”.

تناولت المحاضرَةُ المعطيات التي تأثّر بها بن نبي في تكوينه العلمي في منبته أوّلاً، ثمّ في “الحي اللاتيني” بباريس، مُبيّنةً ما بين الاثنتَين مِن تداخُل، وتوقّفت عند المعطيات التي جعلت منه مفكّراً مؤثّراً “في العالَم الإسلامي على الأقلّ”، من خلال فحص كتابه “مشكلة الثقافة”.

قدّم ميلود شريط خلاصةً للكتاب الصادر عام 1959، مُضيئاً على تحليل بن نبي لمفهوم الثقافة، ولأُسس الثقافة، والفرق بين كلمات “ثقافة” و”حضارة” و”علم”، وفكرته عن التوجيه الثقافي، ورؤيته في ما بين الثقافتَين الشرقية والغربية.

العقل النقدي

وفي محاضرته التي حملت عنوان “تجلّيات العقل النقدي في فكر مالك بن نبي”، أشار الأكاديمي منير بهّادي إلى أنّ تجربة بن نبي الفكرية تميّزَت بخصوصية الانفلات من المنحى المنهجي الأُحادي والرؤى المغلقة التي وجَّهَت الأنساق الفكرية إلى غاية نهاية العقد التاسع من القرن العشرين، مُضيفاً أنّ النظَر في نصوصه يُحيلنا على رؤية واضحة للمسارات النقدية في مقارباته للمشكلات الفكرية والاجتماعية، وهو ما يدفع، وفقه، إلى التساؤل عن مدى إمكانية الاستفادة من أطروحاته في تكوين العقل النقدي، وتَمثُّل الروح العلمية في تدبير المجتمع وتشكيل الفكر المبدع.

من مؤلّفات بهّادي: “المخيال والتاريخ: مقاربةٌ فلسفية لتجربة الوجود عند الأمير عبد القادر الجزائري”، و”الفكر العربي: الاستشراق وأسئلة المنهج”، و”الاستشراق والعولمة الثقافية”.

تغييب عن الدراسات الاستعمارية

انطلق وحيد بوعزيز، في محاضرته التي حملت عنوان “الصراع الفكري والبارانويا الاستعمارية عند مالك بن نبي”، مِن ملاحَظةٍ يُبدي استغرابه بخصوصها، وهي عدم وجود اسم بن نبي ضمن الميدان الذي يُطلَق عليه “الدراسات الاستعمارية وما بعدها”، على الرغم من أنّ صاحبَ مقولة “القابلية للاستعمار” كرّس حياته الفكرية والثقافية لفضح استراتيجيات الاستعمار وتبيين الطريقة التي يمكن بواسطتها تصفيته في الفكر والثقافة والمجتمع والتاريخ.

وعرض بوعزيز للتقاطعات بين روّاد الدراسات الاستعمارية ومالك بن نبي، مُركّزاً على الاختلافات بين النسقَين، في مُحاولَة لتبيان أنّ المفكّر الجزائري الراحل كان سبّاقاً في طرح بعض المقولات المتعلّقة بنقد الاستعمار، مفسّراً الأسباب التي جعلت الكثيرين يغضّون الطرف عن صاحب كتاب “الصراع الفكري في البلدان المستعمَرة” (1960).

وتطرّق المُحاضر إلى الطريقة التي عالج بها بن نبي الاستعمار، وإلى تهمة” البارانويا” التي أطلقها عليه بعض الدارسين الذين “تناسوا النزعة المؤامراتية التي تمتاز بها المؤسَّسة الكولونيالية”.

يعمل بوعزيز أستاذاً للأدب المقارن والدراسات ثقافية في “جامعة الجزائر2″، ومن مؤلّفاته: “حدود التأويل: قراءة في مشروع أمبرتو إيكو النقدي” (2008)، و”جدل الثقافة: مقاربات في ما بعد الكولونيالية” (2019)، وشارك في كتاب جماعي عن الفيلسوف الألماني تيودور أدورنو صدر عام 2010.

النهضة ووعي التخلُّف

وفي محاضرته التي حملت عنوان “نحو تفكيك وعي التخلُّف والنهضة في فكر مالك بن نبي”، حاوَل الأستاذ في قسم اللغة العربية وآدابها بـ”جامعة البُلَيدة2″، توفيق شابو، مساءلة المشروع الفكري لبن نبي، والإمساك بمفهوم الثقافة وآليات اشتغالها كمفهوم مركزي فيه، وربطه بقضية النهضة والتخلُّف، معتبراً أنّه لا يمكن فصل هذا المشروع عن جلّ إنتاجاته الفكرية والمعرفية، حيث نلمس ترابُطاً عضوياً بين كلّ مؤلَّفاته وسجلاته الفكرية والسياسية التي “مثّلَت مشروعاً فكرياً متكاملاً يتقصّد الشعوب العربية والإسلامية والأفريقية والآسيوية في معركة التحرُّر والبناء والنهضة”.

وأضاف: “إنْ كان هذا المشروع لا ينفصل من حيث الطرح، فهو مشروع متعدّد ومتجاوز كإسقاط، لكون معضلات المجتمعات المتخلّفة التي وقعت تحت نير الاستعمار والتخلُّف هي مشكلاتٌ مشتركة من جهة ومتشابكة من جهة أُخرى، منها ما يظهر على السطح، ومنها ما يختفي تحت بنيات لا واعية، فمسألة الثقافة في فكر بن نبي مسألة لا تتعلّق بمشكلة المفهوم فحسب، بقدر ما تعبّر عن دينامية تاريخية وسوسيولوجية تشتغل داخل حركية الزمن والمجتمع”.

وأوضح أن “بين ما يعتبره بن نبي ‘ثقافة’ وما يعتبره ‘لا ثقافة’، تكمن آليات التخلُّف وممكنات النهضة. وتفكيك هذه الآليات هو التبصُّر الذي قاده إلى فهم صيرورة التقدُّم والتخلُّف، وصيرورة التحرُّر والاستعمار، والمطابقة والاختلاف، والمحلّية والعالمية”.

من النقد إلى التأسيس

“مالك بن نبي ورؤية استشرافية في التغيير لبناء مجتمع جديد: من النقد إلى التأسيس” هو عنوان محاضَرةٍ للباحث والأكاديمي لعموري علّيش، تناول فيها موضوع الحضارة وأسس التغيير التي اعتمد عليها مالك بن نبي في مشروعه كرؤية استشرافية لبناء مجتمع جديد مجتمع، يطلق عليه اسم “مجتمع ما بعد الموحّدين”، مُضيئاً على جملة من العوامل التي تؤسس لرؤيته الاستشرافية.

لفت علّيش إلى أنّ طرحَ مالك بن نبي لسؤال الحضارة يعود إلى مجموعةٍ من العناصر، تتمثّل في: معاينة التخلُّف في المجتمع الإسلامي بعد تراجُع التطوُّر والازدهار الذي عرفه، خاصّة في مجتمع الموحّدين، ومحاولة فهم الأسباب التي جعلَت العالم الإسلامي يسير نحو التخلُّف، ومراجَعةُ محاولات النهوض من هذا الوضع، التي قام بها رجال النهضة في مطلع القرن التاسع عشر؛ من أمثال جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، وقد امتدّ أثر هذه المحاولات إلى “جمعية العلماء المسلمين”، برئاسة عبد الحميد بن باديس، في الجزائر باسم الإصلاح الديني والتربوي والثقافي والسياسي.

قرأ بن نبي محاولات رجال النهضة والإصلاح من منطلق فهمهم للمشكلات التي ظهرت وتفشّت في المجتمع الإسلامي، واطّلع على الحلول التي وضعوها لإزالة آثارها السلبية، خاصّة في مكوّناتها التاريخية والثقافية والسياسية.

وخلاصةُ هذه القراءة، مثلما يوضّح المُحاضِر، جعلت من بن نبي – كغيره من المفكّرين في مطلع أربعينيات القرن العشرين – يستبدل طرائق البحث، ويستبدل أيضاً المصطلحات التي كانت سائدةً قبله في مشاريع رجال النهضة ورجال الإصلاح؛ مثل: “النهضة” و”التقدُّم” و”الترقّي”؛ حيث رأى أنّ هذه المصطلحات فقدت قوّتها الدلالية، فاستبدلها بمصطلح “الحضارة”؛ حيث “ملأ مضمونَه بأدوات معرفية ومنهجية جديدة تعمل على تحريك الفعل الحضاري لدى شعوب العالم الإسلامي وتنبّئ بميلاد مجتمع جديد”.

برأي علّيش، يمثّل مصطلح الحضارة، الذي يرد في جميع مؤلَّفات بن نبي، الأرضيةَ الأساسية في بناء كلّ أفكاره التي ترتبط بالمشكلات الاجتماعية والثقافية والتربوية والاقتصادية، وهو ما يؤكّده في قوله: “إنّ مشكلة كلّ شعبٍ هي في جوهرها مشكلةُ حضارته. ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحلّ مشكلته ما لم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية، وما لم يتعمّق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها”.

يُعيد المُحاضر طرح الإشكالية التي طرحها بن نبي في صيغة تساؤلات إبستمولوجية: إلى أيّ حدّ يُعتبر مصطلح الحضارة المدخلَ المنهجي أو الأداة الفعّالة في فهم وبحث واقع المجتمعات الإسلامية وتجاوز أزماتها؟ وما الأسس التي اعتمد عليها في بناء مشروعه الحضاري؟ وما الأدوات التي استخدمها في الربط بين الحضارة كمنتوج مادي والأبعاد النفسية كعوامل فعّالة في إنتاج الحضارة؟ وكيف تحوَّل سؤال الحضارة عند بن نبي إلى رؤية استشرافية في التغيير لبناء مجتمع جديد من النقد إلى التأسيس؟

حاز علّيش دكتوراه دولة في الفلسفة، تخصُّص تاريخ العلم وفلسفة العلوم والفلسفة الإسلامية، ومن مؤلّفاته: “الحضارة العربية الإسلامية” (1996)، و”مسالك الفلسفة” (1997)، و”تصنيف العلوم في الفكر الإسلامي” (2009)، و”مدخل إلى تاريخ العلوم عند العرب والمسلمين” (2009)، و”إشكالية الزمان والمكان في فلسفة ابن سينا” (2010)، و”دراسات في الفكر العربي: مالك بن نبي أنموذجاً” (2013).


بعد قطيعة

هذه هي الفعالية الثانية التي تنظّمها مؤسّسات رسمية حول مالك بن نبي خلال سنة، بعد ندوة أُقيمت العام الماضي في “المكتبة الوطنية” بعنوان “في الإصغاء لشاهد على القرن”، وسط حضور رسمي لافت، في مقدّمته الوزير الأوّل السابق، عبد العزيز جرّاد، الذي عبّر عن أسفه لغياب فكر بن نبي عن المدرسة والجامعة الجزائريّتَين، وهو ما يوحي بوجود توجّه رسمي لإنهاء القطيعة غير المعلَنة مع صاحب “شروط النهضة”.

Source link

كما تَجْدَرُ الأشاراة بأن الخبر الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على المصدر اعلاه وقد قام فريق التحرير في كورة لايف الجديد بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر من مصدره الاساسي.

التعليقات